السيد الطباطبائي

389

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

أنّ كلّ فعل صادر فإنّما هو عن العلم بالصلاح ، وعدم الفساد ، فهذا علم بالعدم ، ولو على جهة العموم ، وليس عروض هذا العرض للقوى والآلات البدنيّة بواسطة العلم بالأسباب المخوفة أو المحزنة - مثلا - بمانع عن كون العلم دخيلا في القوّة والشدّة ، وهو ظاهر هذا من جانب النقيصة والضعف ، وكذلك من جهة الزيادة كلّما كان العلم بوجوب الفعل أتمّ ، سواء كان في الأفعال الشهويّة أو الغضبيّة كان وقوع الفعل أتمّ . ومن هنا ينتج أنّ مراتب الفعل المرتّبة ضعفا وشدّة من الأدنى إلى الأعلى ، ومن الأعلى إلى الأدنى ، مستصحبة بمراتب من العلم بالوجوب وعلوم بالفساد ، وأنّ هناك طرفين لا محالة ، وأنّ لا حالة معتدلة حقيقة تخلو عن العلم ، فإذن المطلوب الأوّل ثابت . ثمّ نقول : إنّ التشكيك المذكور في العلم تابع للتشكيك في حافظ الصورة العلميّة على ظاهر الأمر وفرع التشكيك في توجّه النفس في الحقيقة ؛ وذلك أنّ من المعلوم بالوجدان وجود الفرق بين ما إذا أدركنا شيئا من المحسوسات الخارجيّة مثل الشكل واللون وبين ما إذا أدركناه بعينه خيالا محضا ، وذلك الفرق بينهما وجود الحافظ في الأوّل دون الثاني على ظاهر الأمر ، فلنتأمّل وجه الفرق بينهما بنظر أدقّ من ذلك ، فنقول : إذا تصفّحنا المحسوسات الخارجيّة وجدنا بينها فرقا من هذه الجهة بعينها ، إذ فرق عظيم بين ما إذا أحسسنا بمحسوس ومكثنا في تصوّره وبين ما إذا اكتفينا بأوّل وقوع الحسّ عليه ، وليعتبر ذلك بملموسات منضودة متفاوتة الكيفيّة من الحرارة والبرودة والخشونة والملاسة والصلابة واللين إذا أمررنا اللامس عليها ، فكذلك المبصرات المتفاوتة اللون والضوء وسائر الكيفيّات المبصرة لو كانت إذا أدرنا البصر عليها ، وكذلك سائر المحسوسات ، فكلّما مكثت الحاسّة في تصوّرها وتأمّلها ازدادت صورها جلاء ، وكلّما استعجلت ضعفت حتّى ربّما يلحق بالخيال المجرّد ، فإذن فرق بين ما كان المحسوس أحسّ به في زمان قليل أو كثير ، والذي يقوى منها هو المحسوس في زمان معتدّ به ، والباقي لا يفترق عن الخيال المجرّد